أحمد بن ابراهيم النقشبندي
78
شرح الحكم الغوثية
--> شقاشقها ، وسكنت بوارقها ، وعلمت أن كل ما هي فيه من الأوصاف عارية عندها ، عارية منها ، غير مكسية بذلك ؛ لأنها لو اكتست به ربما ملكته ، وهو وديعة ، متى شاء أخذها المالك ، فتضمحل دعاويها إذا وفقت ، وتذوب ، وترجع حقيرة ذليلة إلى مولاها ، وتتوب . قال سيدي عبد الوهاب الشعراني قدّس اللّه سرّه في « مننه الوسطى » : وممّا منّ اللّه عليّ عدم رؤيتي نفسي أني معدود من العلماء ، لم يزل جهلي مشهودا لي على الدوام ، وهذا من أكبر نعم اللّه عليّ ؛ ولذلك لا تطلب نفسي قطّ أن تزاحم العلماء على شيء مما يخصّهم عادة ، حتى لو قدر أن السلطان رسم لكل واحد من العلماء ألف دينار لم تحدثني نفسي قطّ أنهم يعطونني من ذلك شيئا ، بخلاف من كان متفعلا في هذا المقام ؛ فإنه ربما يفتّ الخبر على الدخان ، كما كان أشعب الطمّاع . وسمعت أخي أفضل الدين يقول : من نظر في علوم السلف لم يحدّث نفسه قطّ أنه من أهل العلم ؛ فقد نقل أصحاب الطبقات أن الإمام ابن الحداد لما حرقت كتب العلم التي في المدرسة النظامية ببغداد وندم على ذلك واقفها نظام الملك ، قالوا : لا تخف ؛ فإن ابن الحداد على جميع ما حرق من حفظه ، فأرسلوا ورائه ، فأملى جميع ما حرق في مدة سنين ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ونحو ذلك . قال : وقد صنّف ابن شاهين المحدّث ثلاثمائة وثلاثون مؤلفا ، منها تفسيره للقرآن في ألف مجلد ، ومنها المسند في ألف وستمائة مجلد ، وحاسب الحبّار على استجراره منه الحبر للكتابة ، فبلغ ألفي قنطار . وحكى السبكي وغيره أن بعض العلماء أخبرهم أنه صنف في مذهب الإمام الشافعي ألف مجلد . وحكى الجلال السيوطي رحمه اللّه تعالى أن للشيخ أبي الحسن الأشعري تفسيرا في خزانة المدرسة النظامية ستمائة مجلد . وحكى أيضا أن محمد بن جرير الطبري كان يحفظ وقر ثمانين بعيرا . وحكى السبكي أن محمد بن الأنباري كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة ، وأن الإمام الأوحدي كان يحفظ من العلوم وقر مائة وعشرين بعيرا . قال : ومن الغرائب أن ابن سينا حفظ القرآن كله في ليلة واحدة ، وكان لا يسمع شيئا إلا حفظه أول مرة كذلك . وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : ما سمعت شيئا قطّ ونسيته ، وروينا عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول : لو شئت لو قرت لكم ثمانين بعيرا من معنى الباء .